أحمد بن محمد ابن عربشاه
115
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقبل الشاب وصية أبيه ، ثم توجه في حشمه وذويه بقصد جميل ومال جزيل ، فمكث غير بعيد ، ثم عاد وهو سعيد فقال له أبوه : حبيت وحييت ما أسرع ما جيت ، قل لي أين ذهبت وما ذا اكتسبت . فقال : يا أبت امتثلت مرسومك الكريم واكتسبت بالمال كل ولى حميم ، وقد جئت بهم زمرا ، وعدتهم خمسون نفرا كل منهم صديق صادق ورفيق موافق في الفضل بارع ، وإلى الخير مسارع ، وفي الرخاء صادق الإخاء وفي الشدة أو في عدة . قال أبوه : يا بنى كيف تصفهم بهذه الصفة وتعرفهم بهذه المعرفة ، ولم تجربهم في قضية ولا واقعة صعبة أو رخية ، وقد قيل : لا تمدحن امرأ حتى تجربه * ولا تذمنه من غير تجريب وقد قيل أيضا : إذا رمت أن تصفى لنفسك صاحبا * فمن قبل أن تصفى له الود أغضبه فإن كان في وقت التغاضب راضيا * وإلا فقد جربته فتجنبه وقيل أيضا : الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا * ما لم يروا عنده آثار إحسان « 1 » واعلم يا ذا اللطائف أنى خائف أن يكون أصحابك وأصدقاؤك وأحبابك مثل أصحاب الرئيس المدبر الخامل النفيس الذين رعوه في روض وفره وتركوه في قفر فقره . قال ابنه : يا أبت كيف ورد ذلك وثبت . [ 18 ] [ قصة أصحاب الرئيس الذين رعوه في روض وفره وتركوه في قفر فقرة : ] قال التاجر : ذكر رواة الأخبار ؛ أنه كان في بعض الأمصار ، رجل رئيس كبير نفيس ، له أموال وافرة وجهات متكاثرة ، وأماكن عامرة ، وضياع ومزدرعات وبساتين ، واقطاعات وعقار له ارتفاعات ، فكان ولده يمد يده إلى كل معصية ومفسدة ، ويجترئ ذلك السفيه على كل ما يلوح له
--> ( 1 ) الكياسة : الفطنة .